Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:45

إن مسألة الحتمية لا تطرح لدى الفيزيائي كما تطرح لدى الفيلسوف . وفعلا، ليس على الفيزيائي أن يتناولها من جانبها العام و الماورائي ، بل عليه أن يبحث لها عن تعريف دقيق ، في إطار الوقائع التي يدرس . غير أن هذا التعريف الدقيق لا يمكن ، على ما يبدو لنا، أن يرتكز إلاّ على إمكانية توقع صارم لما يحدث في المستقبل من الظواهر. فالفيزيائي يرى أن هناك حتمية حين تمكنه معرفة بعض الوقائع التي تلاحظ في الحاضر، أو لوحظت في أزمنة سابقة ، مقترنة بمعرفة بعض قوانين الطبيعة، من التوقع بشكل قطعي بأن هذه الظاهرة التي يمكن ملاحظتها أو تلك ، ستقع في فترة لاحقة معينة.

إن تعريف الحتمية هذا، القائم على إمكانية توقع الظواهر، يبدو التعريف الأوحد الذي يمكن أن يقبله الفيزيائي لأنه التعريف الوحيد الذي يمكن التثبت منه فعلا. غير أنه ينبغي ألاّ نتجاهل أن تعريف الحتمية الفيزيائية هذا يثير بعض الصعوبات .

أولا، بما أن في الطبيعة تأثيرا كونيا متبادلا، وبما أن حركة أصغر الذرات يمكن أن تتأثر بحركة أبعد الكواكب فان التوقع الصارم بظاهرة ما تقع مستقبلا قد يقتضي مبدئيا معرفة حالة الكون الراهنة معرفة تامة ، وهذا ما لا يمكن تحقيقه .

غير أنه من الواضح أن هذا اعتراض نظري ، لأن توقع ظاهرة ستقع ، يمكن عموما أن نحصل عليه فعلا، بفضل عدد محدود من المعطيات المتعلقة بالحالة الراهنة.

وأهم من هذا الاعتراض ، ذاك الذي يمكن أن نستخلصه مما تتسم به ملاحظاتنا وقياساتنا من طابع تقريبي ضرورة. ولما كانت المعطيات التي توفرها الملاحظة أو القيس تعتريها الأخطاء التجريبية دوما، فان التوقعات التي نستطيع أن نقوم بها انطلاقا من هذه المعطيات الناقصة يعتريها هي الأخرى شيء من عدم الدقة، بحيث إن التثبت من قابلية الظواهر بأن يتم توقعها توقعا صارما والتثبت تبعا لذلك من الحتمية كما حددناها سلفا يظل تثبتا تقريبيا. بيد أن هذا الاعتراض الجديد لا يبدو إلى الآن غير قابل للتذليل لأن دقة ملاحظاتنا وقياساتنا يمكن أن تتحسن ، إما بتجويد الطرق أو بتطوير أساليبنا التجريبية. وإذا تحسنت دقة ملاحظاتنا شيئا فشيئا فإننا نحصل دائما على إمكانية توقع صارمة، ونستطيع أن نعتبر الحتمية قد أقيمت بضرب من التقارب الأقصى.

ويبدو أن لا شيء في الفيزياء الكلاسيكية يتعارض مع فكرة إمكانية توقع الظواهر المستقبلية توقعا يزداد اكتمالا كلما ازدادت أساليبنا في الملاحظة و القيس دقة.


وفي هذا المعنى كان يبدو من المفروض التسليم بالحتمية الفيزيائية قبل تطور معارفنا بشأن الظواهر الكوانطية. غير أن الفيزيائيين ، حين تدرجوا في سلم المقادير نزولا، وتوصلوا إلى دراسة ظواهر عالم الذرة حيث تبين الكوانطات عن وجودها ، أدركوا أن التوجه نحو إمكانية توقع صارم لا يمكن التمادي فيه إلى ما لا نهاية له على أساس دقة متزايدة باطراد لمعطيات الملاحظة و القيس . و فعلا فإننا حين نريد، في المجال الذري ، أن نحصر أكثر فأكثر حالة الأشياء الراهنة كي نتمكن من الإخبار عن الظواهر المستقبلية بدقة أشد، فإننا نصطدم باستحالة الزيادة، في الوقت نفسه ، في دقة المعطيات التي قد نحتاجها. فهنا يكمن ، كما نعلم ، أحد الاستتباعات الأساسية لعلاقات الارتياب التي يعود الفضل فيها إلى هيزنبرغ . ويقدر ما توجه ملاحظاتنا وقياساتنا بشكل يسمح لنا بتدقيق بعض المعطيات ، خسرنا من هذه الجهة بالذات على مستوى الدقة المطلوبة في بعض المعطيات الضرورية الأخرى.

إن تحاليل بور و هيزنبرغ الرفيعة والعميقة تبدو قد نجحت في إثبات هذا الأمر، إذ بينت بوضوح أن هذه الملابسات التي لم يكن الفيزيائيون المتشبعون بالأفكار الكلاسيكية ليتوقعوها بالمرة، هي استتباعات ضرورية لوجود " الكوانطوم الفعل " نفسه . وبما أن " الكوانطوم الفعل " يبدو اليوم إحدى الحقائق الأساسية في الفيزياء على الإطلاق ، فقلما نشك في أن ارتيابات هيزنبرغ ذاتها تكتسي طابعا أساسيا للغاية ، إذ بسببها تصبح عملية التوجه نحو قدرة على التوقع توقعا تاما ( وهي التي كانت تسمح لنا قي الفيزياء القديمة بإقرار وجود حتمية في الظواهر بضرب من العبور إلى الحد الأقصى متعطلة عندما نصل إلى مستوى عالم الذرة، ذاك المستوى الذي يكف فيه " الكوانتوم الفعل " عن أن يكون منعدم القيمة و يبدأ في التدخل فعلا .

 

 

لوي دي بروغلي

" المتصل والمنفصل "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:42

بهذا ا لسؤال نمس موضوعا واسعا جدا ، موضوعا مترامي الأطراف ، ولأن الموضوع واسع فقد بقي بغير تحديد، ولأنه بغير تحديد ففي مقدورنا أن نتناوله من خلال أكثر وجهات النظر اختلافا. ومع ذلك فسوف نعثر دائما على شيء من الحق. ولكن بما أن الآراء الممكنة كلها، في تناول هذا الموضوع المتشعب الأطراف - متداخل بعضها في بعض ، فنحن على شفا الوقوع في خطر يفتقد معه حديثنا إلى الإحكام اللازم .

من أجل ذلك يجب أن نحاول تحديد السؤال على نحو أدق . فبهذه الطريقة نوجه الحديث وجهة محددة، وسيسير تبعا لذلك على طريق واحد. أقول على طريق واحد، لأننا نسلم - ونحن على يقين - بأن هذا الطريق ما هو بالطريق الوحيد. و الواقع أن ثمة مشكلة لا بد أن تبقى قائمة، وهي ما إذا كان الطريق الذي أود تخطيطه هو في الحقيقة الطريق الذي يتيح لنا أن نضع السؤال ، وأن نجيب عنه .

ولنفترض الآن بأننا استطعنا العثور على طريق يؤدي بنا إلى تحديد أدق للسؤال ، عندها يظهر على الفور اعتراض خطير ضد موضوع حديثنا هو : أننا عندما نسأل : ما هذا - الفلسفة، فنحن نتكلم عن الفلسفة. وتساؤلنا بهذه الطريقة يضعنا - بشكل واضح - في موقف عال على الفلسفة، أي بمعزل عنها. بينما الهدف من سؤالنا هو أن ندخل في الفلسفة، وأن نقيم فيها ، فنسلك وفق طريقتها، أي أن نتفلسف ، لذلك يتحتم على الطريق الذي تسير فيه أحاديثنا ألا يكون واضح الاتجاه فحسب ، بل لابد لهذا الاتجاه أن يعطينا في نفس الوقت الضمان بأننا نتحرك .داخل الفلسفة ، لا أن ندور من الخارج حولها(...).

سؤال : ما الفلسفة ؟ هذا السؤال قد أجاب عنه أرسطو. وعلى هذا فحديثنا لم يعد ضروريا. إنه منته قبل أن يبدأ، وسيكون الرد الفوري على ذلك قائما على أساس أن عبارة أرسطو عن ماهية الفلسفة لم تكن بالإجابة الوحيدة عن السؤال . وفي أحسن الأحوال إن هي إلا إجابة واحدة بين عدة إجابات .

ويستطيع المرء - بمعونة التعريف الأرسطي للفلسفة - أن يتمثّل وأن يفسر كلا من التفكير السابق على أرسطو وأفلاطون و الفلسفة اللاحقة لأرسطو. ومع ذلك سيلاحظ المرء بسهولة أن الفلسفة، والطريقة التي بها أدركت ماهيتها قد تغيرا في الألفي سنة اللاحقة لأرسطو تغييرات عديدة، فمن ذا الذي أراد أن ينكر هذا ؟


وفي نفس الوقت ينبغي مع ذلك ألا نتجاهل أن الفلسفة منذ أرسطو حتى نيتشه ظلت - على أساس تلك التغيرات وغيرها - هي هي لأن التحولات هي على وجه الدقة. احتفاظ بالتماثل داخل الهو هو (...)

صحيح أن تلك الطريقة نتحصّل بمقتضاها على معارف متنوعة وعميقة، بل ونافعة عن كيفية ظهور الفلسفة في مجرى التاريخ ، لكننا على هذا الطريق لن نستطيع الوصول إلى إجابة حقيقية أي شرعية عن سؤال: " ما الفلسفة ؟ "

 

 

مارتن هيدغير

                 " ما الفلسفة "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:40

إن العلوم جميعا، بما فيها كل العلوم التي ينبغي إنشاؤها ، وكل العلوم التي هي في حيز العمل بعد ، لا تعدو أن تكون فروعا، بل وفروعا تابعة للفلسفة وحدها لا غير. إن هذه الفلسفة الجديدة التي بلغت حد الجرأة وربما حد الإفراط في رفعها من معنى الكونية، التي أصبحت منذ " ديكارت " سيدة الموقف ، لا ترضى بأقل من أن تحوي في نظام تأملي موحد كل القضايا ذات المعنى دون استثناء بطريقة علمية صارمة وفي منهجية عقلية يقينية، وفي تقدم للبحث غير متناه ، وإن كان منظما تنظيما عقليا. وعلى هذا النحو ينشأ لدينا صرح فريد، في تكون مستمر عبر لا تناهي الأجيال ، هو صرح الحقائق النهائية ( القطعية ) التي تترابط نظريا فيما بينها، ومن شأن هذا الصرح أن يقدم لنا الجواب عن كل ما يخطر ببالنا من قضايا، سواء أكانت قضايا الواقع أم قضايا العقل ، وسواء أكانت قضايا الزمنية أم قضايا الأبدية.

وتبعا لذلك ، فان المفهوم الوضعي للعلم في عصرنا ، منظورا إليه من الناحية التاريخية، هو مفهوم ترسبي . فقد ألقى عرض الحائط بكل القضايا التي أدرجت ضمن مفهوم الميتافيزيقا، بمعناه الضيق حينا وبمعناه الواسع حينا آخر ، ومنها كل تلك القضايا التي يطلق عليها بشيء من الغموض اسم القضايا " القصوى والعليا ". فإذا أمعنا النظر بدا لنا أن هذه القضايا وكل القضايا التي أقصتها الوضعية ، إنما تستمد وحدتها من كونها تحوي ، ضمنيا أو صراحة، في معناها قضايا العقل ، أعني العقل في كل مظاهره الخاصة . ذلك أن العقل هو الذي يوفر صراحة الموضوع الذي تخوض فيه مباحث المعرفة ( أعني المعرفة الحقيقية الأصيلة ، أي المعرفة العقلية ) وعلم القيم الحقيقي الأصيل ( نعني القيم الحق بما هي قيم العقل ) والسلوك الأخلاقي ( أي حسن التصرف الحق أعني التصرف انطلاقا من العقل العملي ). إن العقل في كل هذا عنوان للأفكار والمثل " المطلقة " " السرمدية " " المتعالية على الزمن " " المقبولة على نحو غير مشروط ". وكذلك ، فإن أصبح الإنسان قضية " ميتافيزيقية " أعني قضية فلسفية محض ، فانّه لا ينظر في أمره إلا باعتباره كائنا عاقلا، فان كان تاريخه هو الذي يوضع موضع الاستفهام ، فالأمر يتعلق ب" معنى" التاريخ ، وبالعقل في التاريخ . إن قضية الإله تضم في الظاهر قضية العقل " المطلق " باعتباره مصدرا لاهوتيا لكل عقل في العالم ، كما تضم قضية " المعنى" في العالم. وبالطبع فان قضية الخلود هي أيضا قضية عقلية وكذا الشأن بالنسبة إلى قضية الحرية. إن كل هذه القضايا " الميتافيزيقية " بالمعنى الواسع ، أي القضايا الفلسفية البحت بالمعنى المألوف للكلمة تتجاوز " العالم " باعتباره " كلاّ جامعا " لوقائع بسيطة. وهي تتجاوزه على وجه الدقة بوصفها قضايا تهزّ فكرة العقل .


وهي كلها تدّعي مقاما أسمى من مقام قضايا الواقع التي ترتبط بها أيضا في نظام القضايا . و بإمكاننا أن نقول إن الوضعية تقطع رأس الفلسفة. فداخل الفكرة القديمة للفلسفة وهي الفكرة التي تستمد وحدتها من الكل الذي لا ينفصم لوحدة الكينونة ، نستشف كذلك ترتيبا ذا دلالة للكينونة وبالتالي لقضايا الكينونة.

على هذا النحو بلغت الميتافيزيقا، وهي علم القضايا القصوى والعليا، مرتبة " ملكة العلوم "، التي لا يملك إلا الذهن أن يضفي معناها الأقصى على كل المعارف ، أعني معارف سائر العلوم . وهذه المهمة أيضا هي التي آل أمرها إلى الفلسفة التي كانت تتجدد، بل إنه خيل إليها أنها اكتشفت الطريقة الكونية الحق التي يمكن بفضلها لفلسفة متسقة من هذا القبيل ، بلغت ذروتها في الميتافيزيقا، أن تنشأ، على نحو جدي باعتبارها فلسفة خالدة .

 

 

هوسّرل

" أزمة العلوم الأوروبية "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:08

من حق علوم الفكر أن تحدد بنفسها منهجها بحسب موضوعها. فعلى العلوم أن تنطلق من أعم مفاهيم المنهجية ، وتسعى إلى تطبيقها على مواضيعها الخاصة فتصل بذلك إلى أن تنشئ في ميدانها المخصوص مناهج ومبادئ أكثر دقة على غرار ما حصل بالنسبة إلى علوم الطبيعة. وإننا لا نبين أننا التلاميذ الحقيقيون لكبار العلماء إن نحن اكتفينا بأخذ المناهج التي توصلوا إليها ، ونقلناها نقلا إلى ميداننا ، وإنما نكون تلاميذهم بحق حين نكيف بحثنا مع طبيعة مواضيعه فنتصرف إزاء علمنا تصرفهم إزاء علمهم . إن التحكم في الطبيعة يكون بالامتثال لها. وأول ما يميز علوم الفكر عن علوم الطبيعة أن علوم الطبيعة موضوعها وقائع تبدو للوعي كما لو كانت ظواهر بعضها بمعزل عن بعض من الخارج ، والحال أنها تبدو لنا من الداخل واقعا ومجموعة حية أصلا. والحاصل من هذا أنه لا يوجد في العلوم الفيزيائيّة والطبيعية مجموع منسجم للطبيعة إلا بفضل استدلالات تكمل معطيات التجربة بواسطة منظومة من الفرضيات ؛ أما في علوم الفكر فان مجموع الحياة النفسية يمثل قي كل مكان معطى أوليا وأساسيا. فالطبيعة نفسرها، والحياة النفسية نفهمها.

ذلك أن عمليات الاكتساب و مختلف الطرائق التي تترابط بواسطتها الوظائف – وهي العناصر الخاصة بالحياة الذهنيّة- فتشكل كلا ، تمدنا بها أيضا التجربة الداخلية. وهنا نجد أن المجموع المعيش هو الشيء الأولي ، أما التمييز بين الأجزاء التي يتكون منها فلا يأتي إلا في المرتبة الثانية. يترتب على ذلك أن المناهج التي نعتمدها لدراسة الحياة الفكرية و التاريخ و المجتمع مختلفة أشد الاختلاف عن المناهج التي أدت إلى معرفة الطبيعة.

 

 

دلتاي

" أفكار في علم نفس وصفي وتحليلي "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:08

من حق علوم الفكر أن تحدد بنفسها منهجها بحسب موضوعها. فعلى العلوم أن تنطلق من أعم مفاهيم المنهجية ، وتسعى إلى تطبيقها على مواضيعها الخاصة فتصل بذلك إلى أن تنشئ في ميدانها المخصوص مناهج ومبادئ أكثر دقة على غرار ما حصل بالنسبة إلى علوم الطبيعة. وإننا لا نبين أننا التلاميذ الحقيقيون لكبار العلماء إن نحن اكتفينا بأخذ المناهج التي توصلوا إليها ، ونقلناها نقلا إلى ميداننا ، وإنما نكون تلاميذهم بحق حين نكيف بحثنا مع طبيعة مواضيعه فنتصرف إزاء علمنا تصرفهم إزاء علمهم . إن التحكم في الطبيعة يكون بالامتثال لها. وأول ما يميز علوم الفكر عن علوم الطبيعة أن علوم الطبيعة موضوعها وقائع تبدو للوعي كما لو كانت ظواهر بعضها بمعزل عن بعض من الخارج ، والحال أنها تبدو لنا من الداخل واقعا ومجموعة حية أصلا. والحاصل من هذا أنه لا يوجد في العلوم الفيزيائيّة والطبيعية مجموع منسجم للطبيعة إلا بفضل استدلالات تكمل معطيات التجربة بواسطة منظومة من الفرضيات ؛ أما في علوم الفكر فان مجموع الحياة النفسية يمثل قي كل مكان معطى أوليا وأساسيا. فالطبيعة نفسرها، والحياة النفسية نفهمها.

ذلك أن عمليات الاكتساب و مختلف الطرائق التي تترابط بواسطتها الوظائف – وهي العناصر الخاصة بالحياة الذهنيّة- فتشكل كلا ، تمدنا بها أيضا التجربة الداخلية. وهنا نجد أن المجموع المعيش هو الشيء الأولي ، أما التمييز بين الأجزاء التي يتكون منها فلا يأتي إلا في المرتبة الثانية. يترتب على ذلك أن المناهج التي نعتمدها لدراسة الحياة الفكرية و التاريخ و المجتمع مختلفة أشد الاختلاف عن المناهج التي أدت إلى معرفة الطبيعة.

 

 

دلتاي

" أفكار في علم نفس وصفي وتحليلي "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:07

(...) يفترض كل بحث علمي ثنائية الملاحظ وموضوعه . ففي العلوم الطبيعية يضطلع الإنسان بدور الملاحظ ويتخذ من العالم موضوعا له . إن المجال الذي يمكن أن نحقق فيه صحة هذه الثنائية ليس غير محدود ، وهو ما كشفت عنه الفيزياء والبيولوجيا المعاصرة ولكنه على قدر من الاتساع بحيث إن مادة العلوم الصحيحة والطبيعية تستطيع أن تنتشر فيه انتشارا حرا.

وإن كانت العلوم الاجتماعيّة والإنسانية علوما بحق ، فانه يتعين عليها أن تبقي على هذه الثنائية ، وأن تكتفي بزحزحتها لتجعلها قائمة في صلب الإنسان وبذلك تصبح القطيعة بين الإنسان الملاحظ والإنسان الملاحظ فردا كان أو جماعة. غير أنها إذ تفعل ذلك لا تتجاوز مراعاة مبدإ ما. إذ لئن كان عليها أن تحتذي بالعلوم الصحيحة والطبيعية حذو  النعل بالنعل ، فإنّه يتعيّن عليها أن تكتفي بالتجريب على الناس الذين تقف عند ملاحظتهم ( وهذا أمر معقول نظريا، بل ميسور عمليا ومقبول أخلاقيا ) ؛ وإنما يكون من اللاّزم أيضا أن لا يعلم هؤلاء الناس أنهم موضوع تجريب ، وإلا فان وعيهم لذلك قد يؤدي يشكل غير متوقّع إلى تغيير مسار التجريب . على هذا النحو يبدو أن العدو الكامن لعلوم الإنسان هو الوعي في مظهريه : بوصفه وعيا تلقائيّا محايثا لموضوع الملاحظة ، ووعيا منعكسا - هو وعي الوعي - لدى العالم .

ولعل العلوم الإنسانية لا تعوزها تماما الوسائل للتغلب على هذه الصعوبة . فالمعروف أن الآلاف المؤلفة من النظم الفونولوجية والنحوية التي يمكن لعالم اللسان أن يتناولها بالدرس ، وتنوَع البنى الاجتماعية الذي يمتد في الزمان أو في المكان ، ويغري المؤرخ وعالم السلالات ، تمثل قدرا من التجارب " الجاهزة " ذات الطبيعة الآحادية الاتجاه وهي طبيعة لا تضعف في شيء من القيمة التي نقر بها اليوم لهذه التجارب وإن كره المذهب الوضعي ، إذ أن وظيفة العلم ليست التنبؤ بقدر ما هي التفسير . والأحرى ، فان التفسير ينطوي على ضرب من التوقع فإذا وجدنا تجربة أخرى " جاهزة " للملاحظ أن يكتشفها حيث هي ، وللعالم أن يؤولها ، فإننا نتوقع بأنه إن توفرت فيها بعض الخصائص ، لزم أن ترتبط بها خصائص أخرى .


إن الفرق الأساسي بين العلوم الفيزيائية والعلوم الإنسانية ، لا يتمثل حينئذ، كما يقال عادة ، في أن العلوم الفيزيائية تنفرد بالقدرة على القيام بتجارب وعلى إعادتها كما هي قي أزمنة و أمكنة أخرى ، فالعلوم الإنسانية تستطيع ذلك هي أيضا . وإن لم تكن كل العلوم الإنسانية قادرة على ذلك فان بعضها - من قبيل اللسانيات وبدرجة أقل علم السلالات - تستطيع أن تستخرج عناصر قليلة العدد ومتكررة ، منسقة تنسيقا متنوعا في عدد كبير من النظم ، متجاوزة ما لكل منها من خصوصية زمانية ومكانية .

أفلا يدل ذلك على أن القدرة على التجريب سواء أكانت قبلية أم بعدية إنما تقوم أساسا على الطريقة التي نعتمدها لنعرّف أو لنعزل ما سنصطلح عليه بكونه واقعة علمية ؟ ولو أن العلوم الفيزيائيّة كانت تحدد وقائعها العلميّة على هذا النحو من النزوة وعدم الاكتراث اللذين يتجليان في أغلب العلوم الإنسانيّة، لكانت هي أيضا سجينة حاضر لن يتكرر أبدا.

 

 

كلود ليفي ستروس

" الانتروبولوجيا البنيويُة "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:06

إذا كانت التجربة هي بداية كل معرفتنا ونهايتها في خصوص الواقع فما هو الدور الذي نبقيه للعقل في مجال العلم ؟

يتألف نسق كامل في الفيزياء النظرية من مفاهيم وقوانين أساسية لربط هذه المفاهيم بالاستتباعات التي تنجر عنها بواسطة الاستنتاج المنطقي .

فهذه الاستتباعات هي التي ينبغي أن تناسبها تجاربنا الخاصة. إن التفريع المنطقي لهذه الاستتباعات هو الذي يفوز في تأليف نظري محض ، بأكبر قسم من المصنف . لقد حددنا للعقل وللتجربة منزلتهما من نسق الفيزياء النظرية : أما العقل فيمنح النسق بنيته ، وأما معطيات التجربة وما تتبادله فيما بينها من علاقات فينبغي أن تتناسب و استتباعات النظرية تناسبا تاما. 

فالنسق في جملته ، وبوجه خاص مفاهيمه الأساسية و القوانين التي يقوم عليها، لا تتأسس قيمتها وتبريرها إلاّ على إمكان تناسب من هذا القبيل ، وإلا فإن هذه المفاهيم . والقوانين قد لا تعدو ابتكارات حرة يبتكرها الفكر البشري ، لا تبررها قبليا طبيعة هذا الفكر ولا غيرها من الوسائل مهما يكن نوعها. إن المفاهيم والقوانين الأساسية التي لا يمكن أن نذهب بها في الاختزال المنطقي شوطا أبعد تكون في نظرية ما الجانب الذي لا غنى عنه والذي لا يبقى فيه من الناحية العقلية إمكان للاستنتاج . وقلما يتيسر أن ننفي أن غاية المراد لكل نظرية إنما جعل عناصرها الأساسية غير القابلة للاختزال أبسط ما يكون ، وعددها أقل ما يمكن ، دون العدول عن تصور معطى من معطيات التجربة تصورا ملائما. فإذا صح إذن أنه لا يمكن أن نحصل على القاعدة الأكسيومية للفيزياء النظرية عبر الاستدلال ، انطلاقا من التجربة، بل ينبغي أن تكون ابتكارا حرا، فهل يحق لنا أن نأمل في الاهتداء إلى المسلك السليم ؟ إنني مقتنع بأن البناء الرياضي المحض يمكننا من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تصل بينها والتي تعطينا مفتاح فهم الظواهر الطبيعية. ويمكن للتجربة، بطبيعة الحال ، أن تقودنا في اختيارنا المفاهيم الرياضية التي ينبغي أن نستعملّها، غير أنه لا يمكن أن تكون المصدر الذي تنبع منه هذه المفاهيم .


ولئن ظلت التجربة بالتأكيد مقياس المنفعة الوحيد لبناء رياضي ما في خصوص الفيزياء، فان المبدأ الخلاق بحق يكمن في الرياضيات . إنه يصح عندي إذن ، على نحو ما، أن الفكر المحض قادر على فهم الواقع ، وذلك ما كان القدامى يحلمون به .

 

 

أينشتاين

" في منهج الفيزياء النظريّة "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:04

ما هي الظروف التي ابتدع فيها الإنسان أحكام القيمة، قيمة ما هو طيّب وقيمة ما هو خبيث ؟ وما قيمة هذه الأحكام نفسها ؟ أتراها - إلى حد الآن - عرقلت تطوَر الإنسان أم ساعدت عليه ؟ أتراها علامة ضيق الحياة وافتقارها وتقهقرها ؟ أم هي - على العكس من ذلك - تعبر عن امتلاء الحياة وقوتها وإرادتها وشجاعتها وأملها ومستقبلها ؟

لا يبدو مشكل قيمة الشفقة ومشكل أخلاق الشفقة للوهلة الأولى ( وأنا من أعداء تأنيث العواطف المخجل الذي نراه اليوم )، سوى مسألة معزولة، أو نقطة استفهام على حدة. غير أنّه سيحدث بالنسبة إلى من توقف هنا، وبالنسبة إلى من سيتعلم السؤال هنا، ما حدث لي : سينفتح أمامه أفق جديد رحب ، يتملكه كالدوار، وتنبعث أمامه أصناف شتى من الحذر و الشك والخوف ، فيتزعزع إيمانه بالأخلاق ، بكل نسق من الأخلاق ، ويعلو - آخر الأمر - صوت مطلب جديد يفرض نفسه . ولنعين هذا المطلب الجديد :

إننا بحاجة إلى نقد القيم الأخلاقية، ويجب أن نبدأ بالتساؤل بشأن قيمة هذه القيم نفسها، ويفترض هذا معرفة ظروف نشأتها وملابساتها وظروف نموّها وملابساته ، وظروف تطوَرها وملابساته ( الأخلاق من حيث هي نتيجة، الأخلاق باعتبارها أعراضا ، وباعتبارها قناعا، وباعتبارها نفاقا، وباعتبارها مرضا وباعتبارها سوء تفاهم . ولكن أيضا : الأخلاق بما هي سبب . أو دواء، أو دوافع ، أو عراقيل أو باعتبارها سما )، و بإيجاز نقول : معرفة ليس لها نظير إلى الآن ، ومعرفة لم يخطر على البال أن نتمنّاها لأننا اعتبرنا قيمة هذه " القيم " معطى، واعتبرناها حقيقية، تتجاوز حدود كل ما يمكن التساؤل بشأنه . ولم يتردد الناس البتة - إلى الآن - في إعطاء الإنسان " الطيب " قيمة أرفع من القيمة التي يعطونها " الخبيث "، وهي قيمة أرفع في معنى رقي الإنسان و نفعيته وازدهاره بوجه عام ( بما في ذلك مستقبل الإنسان ) ولكن ما العمل لو كان العكس صحيحا ؟ وما العمل لو كان في الإنسان " الطيب " أيضا أعراض النكوص أو كان فيه أيضا خطر أو إغراء أو سم أو مخدر يمكن الحاضر من أن بعيش بشكل ما على حساب المستقبل ، ولربما كان له ذلك بأكثر رفاهة، و بأقل مخاطر ولكن أيضا بطريقة أكثر سخفا وأشد وضاعة، وبذلك ، فقد يكون الخطأ خطا الأخلاق إذا لم يدرك الجنس البشري أبدا أعلى درجات القوة والبهجة التي يطمح إليها، وبذلك ، قد تكون الأخلاق أخطر الأخطار .

 

 

نيتشه

" جينيالوجيا الأخلاق "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:03

كلما أجلنا الفكر لنعرف كيف يجب علينا أن نفعل كلمنا صوت من داخلنا وقال : هذا واجبك. وإذا ما أخللنا بهذا الواجب الذي قدم لنا على ذلك الشكل ، قام نفس الصوت فكلمنا واحتج على ما فعلنا. ولما كان ذلك الصوت يكلمنا بلهجة الأمر والنهي ، فإننا نشعر شعورا عميقا بأنه لابد صادر عن كائن أرفع منا شأنا، ولكننا لا نستطيع أن نتبين بوضوح من يكون هذا الكائن ولا ما هو. ولذلك نسبه خيال الشعوب إلى شخصيات متعالية، أرفع شأنا من الإنسان ، أضحت موضع عبادة، إذ العبادة ما هي آخر الأمر، إلا الشهادة الظاهرة على النفوذ الذي نقر به لهم ، وبذلك استطاعت تلك الشعوب أن تجد تفسيرا لهذا الصوت العجيب الذي لا تشبه نبرته النبرة التي بها ينطق صوت البشر. وقد أصبح واجبا علينا نحن أن ننزع عن هذا التصور غلالة الأشكال الأسطورية التي تلفع بها خلال عصور التاريخ وأن ندرك الحقيقة وراء الرمز . وهذه الحقيقة هي المجتمع . إذ المجتمع هو الذي وضع فينا عند تربيتنا تربية أخلاقية هذه المشاعر التي تملي علينا سلوكنا إملاء أو التي ترد الفعل بقوة إذا ما رفضنا الانصياع لأوامرها. فضميرنا الأخلاقي صنعتها والمعبر عنها، فإذا ما تحدث ضميرنا كان المجتمع هو المتحدث فينا. غير أن اللهجة التي بها يكلمنا هي أحسن دليل على النفوذ المتميز الذي يتمتع به . فالواجب هو الأخلاق من حيث هي تأمر وتنهى، وهو الأخلاق وقد تمثلت سلطة علينا أن نطيعها لأنها سلطة ولأنها كذلك فحسب . أما الخير، فهو الأخلاق وقد تمثلت شيئا حسنا، يجتذب الإرادة، ويثير ما في الرّغبة من التلقائية. ولئن كان من اليسير أن نتبين أن الواجب هو المجتمع من حيث يفرض علينا قواعده ، ويضبط الحدود لطبيعتنا، فان الخير هو المجتمع ولكن من حيث هو حقيقة أثرى من حقيقتنا، ولا نستطيع التمسك به دون أن ينتج عن ذلك إغناء لكيّاننا.

 

 

دوركايم

" التربية الأخلاقية "

Repost 0
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:02

 

عندما أتصور أمرا شرطيا على وجه الإجمال فإنني لا أعرف مقدما ما سوف ينطوي عليه حتى أعطى الشرط الذي يقوم عليه . أما إذا تصورت أمرا قطعيا، فإنني أعرف على الفور ما ينطوي عليه . ذلك لأنه لما كان الأمر لا يحتوي ، بالإضافة إلى القانون ، إلا على الضرورة التي تقضي بأن يكون المبدأ الذاتي مطابقا لهذا القانون ، وكان القانون لا يتضمن أي شرط يحده ، فلن يبقى شيء على الإطلاق سوى الجانب الكلي العام من القانون بوجه عام ، الذي يجب على المبدإ الذاتي للفعل أن يكون مطابقا له ، وهذه المطابقة هي وحدها التي تصور لنا وجه الضرورة في هذا الأمر.

إذن فليس ثمة غير أمر قطعي واحد، يمكن التعبير عنه على النحو التالي : افعل فقط طبقا للمبدإ الذاتي الذي يجعلك تقدر على أن تريد له في الوقت نفسه أن يصير قانونا كلبّا.

فإذا أمكن إذن أن تشتق جميع أوامر الواجب من هذا الأمر الواحد كما تشتق من مبدئها، فإننا سنستطيع عندئذ، وإن تركنا بغير حل مشكلة معرفة ما إذا كان ما نسميه بالواجب ليس في مجموعه إلا مفهوما أجوف ، أقول إننا سنستطيع عندئذ على أقل تقدير أن نبين ما نفهمه من ذلك وما يعنيه هذا المفهوم .

ولما كانت كليّة القانون الذي تحدث بمقتضاه الآثار والنتائج المترتبة عليه هي التي تؤلف ما نسميه بوجه خاص بالطبيعة حسب المعنى الأعم لهذه الكلمة ( من الناحية الصوريُة )، أو بتعبير آخر وجود الأشياء من حيث هو وجود تحده قوانين كلية، فان الأمر الكلي للواجب يمكن أيضا أن يعبر عنه في هذه الصيغة : " افعل كما لو كان يجب على المبدإ الذاتي لفعلك أن يُرفع عن طريق إرادتك إلى مرتبة قانون كلي للطبيعة ".

 

 

كانط

" أسس ميتافيزيقا الأخلاق "

Repost 0