Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
19 février 2010 5 19 /02 /février /2010 11:08

عندما كنت صغيرا أتذكر أن الآباء لم يكونوا هم فقط من يعمل على تربية الأبناء بل كان الكل يربي ،كنا نسمع النصح من الكل و التوبيخ من الكل  بل والصفع من الكل، ولم أسجل يوما أن والدي احتج على جار ما أو جارة ضربتني لسبب من الأسباب بل كان دائما يقول "ولدكم هداك". مثل هذا السلوك جعلنا نؤمن منذ الصغر بضرورة الإنصات لنصح الأكبر سنا و احترامه. كنا نصطف لنقبل يد" جدا وردية "القابلة التي كانت أول من استقبلنا في هذا العالم،  و"السي الفتاوى" إمام المسجد، و"السي محمد خيي" الحجام ،كان يذكرنا دائما  بلحظة الختان وكم كنا نموت من الخوف ونحن نرقب طلعته...كل هؤلاء تحولوا إلى أبطال في عيوننا أطفالا وحتى بعدما شبنا نحن أيضا .

عزي الحسين كان أيضا رمزا ،عرفته رجلا مكدا و مجتهدا علامات الفقر و الكدح بادية عليه، قامته قصيرة و جسده نحيل لكن عظمه شبابي كما يقال،يشتغل في البناء،ينطبق عليه قول الشاعر"يبني القصور و كوخه مهدم"،يسكن بيتا هندسته غريبة جدا، غرفة في "الطابق" السفلي وأخرى في العلوي مع أمتار قليلة مظلمة قرب الدرج نسميها بالأمازيغية "أغدمي" خصصها لنعجتيه،كان يسمي إحداهما"أم كلثوم" والثانية "كوادالوبي" لأنها كانت عرجاء، ورث منه الآخرون هذه التسمية فصارت كل نعاج الحي"أم كلثوم" و"كوادالوبي" ، ما كان يميز هذا الرجل ابتسامته، لم أره قط قلقا أو منزعجا حتى وهو يهم بحفر القبور كان يملئ المكان ضحكا كأنه لا يعبئ بهمه اليومي، كان يدعونا للضحك والابتعاد ما أمكن عن التشاؤم مرددا دائما عبارة جميلة جدا :"أيكف ربي اتامارا لقهرت". لم يكن ممكنا أن يمر يومنا دون تنكيته و مزاحة. ننتظر مجيئه إلى مجالسنا بشغف، تحمل شغبنا الطفولي بعطف دون نظير لذلك أحببناه، وتعرفون ما معنى أن تسكن قلب طفل صغير. زوجته "لا مينة " -في دمنات لا نقول لالة نقول فقط "لا" ربما لذلك يعرف أبنائها بكثرة "التعنتيت"- "الا مينة"كانت على الدوام امرأة رائعة أيضا،عرفت في الحي بضخامة جسمها،سمينة جدا، كان نسوة الحي يترددن كثيرا قبل قبول مرافقتها "للحمام"، منظر الزوجين و هما يمشيان في "القصبة"جنبا إلى جنب يثير دائما الكثير من التعليق ، في كثير من الأحيان تكون السيدة "مينة " موضوع تنكيت زوجها يقارن دائما بين جسديهما ليغرق في ضحك مسترسل.

 كانت هنالك زفرة ترافق باستمرار تنهيداته ،كان يقول دائما بأن:"العيالات يخافوا ما يحشموا"،هو موقف سلبي من المرأة أكيد، و لكن ربما في تاريخ هذا الرجل ما يبرره.

 عزي"-يا سامعي-هي عبارة ود و حب وتقدير يقولها الإنسان الامازيغي عادة إذ يخاطب أخاه الأكبر، والسي الحسين هذا كان بالنسبة لنا الأخ الأكبر

كنت بالكاد في الخامسة عشرة من عمري أو اقل حينما سحبني معه إلى المقبرة، قال لي حينها

-سأجعل منك حفار قبور متميز

- و لما حفار قبور، لما لا تتمنى أن تراني معلما مثلا أو طبيبا...

كنت خائفا جدا، رسم بقطعة جبس على الأرض معالم القبر ثم ناولني الفأس قائلا:

-"يا الاه وريني الرجلة"

أهوي على الأرض بشراسة أحاول من خلالها أن أغطي على هزيمة نفسية نكراء، الخوف يتلبس جسدي لكن ما باليد حيلة سأصير أضحوكة إذا ما اكتشف أني خائف...بل انه سيحول المشهد إلى نكتة الموسم...

انتهينا من الحفر قبل آذان الظهر، كان أهل المتوفى قد حملوا لنا صينية شاي وزيت و خبز، افرغ كوبا له و كوبا لي ثم قال:

-انظر كم واحدا سيرافق هذه السيدة إلى مثواها الأخير "أسي رضوان" عددهم سيكون قليلا حثما..

-و كأنك تدعي علم الغيب

-الا ا وليدي التجربة علمتني أن"الفرزيات" تشهد عليها حتى الجنائز، كما علمتني ان لا فائدة من الجري المتواصل مادام المرء سينتهي في حفرة لا تسع اثنين..لذلك ادعوك لان تضحك وأن تقول دائما كما أقول أنا "أيش الهم أضونس"

لم أفهم حينها لما حاول عزي الحسين أن يلقنني "فن" حفر القبور لكن ربما الآن بدأت أفهم.....                      

Partager cet article

Repost 0
Published by redouane - dans خواطر
commenter cet article

commentaires