Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:07

(...) يفترض كل بحث علمي ثنائية الملاحظ وموضوعه . ففي العلوم الطبيعية يضطلع الإنسان بدور الملاحظ ويتخذ من العالم موضوعا له . إن المجال الذي يمكن أن نحقق فيه صحة هذه الثنائية ليس غير محدود ، وهو ما كشفت عنه الفيزياء والبيولوجيا المعاصرة ولكنه على قدر من الاتساع بحيث إن مادة العلوم الصحيحة والطبيعية تستطيع أن تنتشر فيه انتشارا حرا.

وإن كانت العلوم الاجتماعيّة والإنسانية علوما بحق ، فانه يتعين عليها أن تبقي على هذه الثنائية ، وأن تكتفي بزحزحتها لتجعلها قائمة في صلب الإنسان وبذلك تصبح القطيعة بين الإنسان الملاحظ والإنسان الملاحظ فردا كان أو جماعة. غير أنها إذ تفعل ذلك لا تتجاوز مراعاة مبدإ ما. إذ لئن كان عليها أن تحتذي بالعلوم الصحيحة والطبيعية حذو  النعل بالنعل ، فإنّه يتعيّن عليها أن تكتفي بالتجريب على الناس الذين تقف عند ملاحظتهم ( وهذا أمر معقول نظريا، بل ميسور عمليا ومقبول أخلاقيا ) ؛ وإنما يكون من اللاّزم أيضا أن لا يعلم هؤلاء الناس أنهم موضوع تجريب ، وإلا فان وعيهم لذلك قد يؤدي يشكل غير متوقّع إلى تغيير مسار التجريب . على هذا النحو يبدو أن العدو الكامن لعلوم الإنسان هو الوعي في مظهريه : بوصفه وعيا تلقائيّا محايثا لموضوع الملاحظة ، ووعيا منعكسا - هو وعي الوعي - لدى العالم .

ولعل العلوم الإنسانية لا تعوزها تماما الوسائل للتغلب على هذه الصعوبة . فالمعروف أن الآلاف المؤلفة من النظم الفونولوجية والنحوية التي يمكن لعالم اللسان أن يتناولها بالدرس ، وتنوَع البنى الاجتماعية الذي يمتد في الزمان أو في المكان ، ويغري المؤرخ وعالم السلالات ، تمثل قدرا من التجارب " الجاهزة " ذات الطبيعة الآحادية الاتجاه وهي طبيعة لا تضعف في شيء من القيمة التي نقر بها اليوم لهذه التجارب وإن كره المذهب الوضعي ، إذ أن وظيفة العلم ليست التنبؤ بقدر ما هي التفسير . والأحرى ، فان التفسير ينطوي على ضرب من التوقع فإذا وجدنا تجربة أخرى " جاهزة " للملاحظ أن يكتشفها حيث هي ، وللعالم أن يؤولها ، فإننا نتوقع بأنه إن توفرت فيها بعض الخصائص ، لزم أن ترتبط بها خصائص أخرى .


إن الفرق الأساسي بين العلوم الفيزيائية والعلوم الإنسانية ، لا يتمثل حينئذ، كما يقال عادة ، في أن العلوم الفيزيائية تنفرد بالقدرة على القيام بتجارب وعلى إعادتها كما هي قي أزمنة و أمكنة أخرى ، فالعلوم الإنسانية تستطيع ذلك هي أيضا . وإن لم تكن كل العلوم الإنسانية قادرة على ذلك فان بعضها - من قبيل اللسانيات وبدرجة أقل علم السلالات - تستطيع أن تستخرج عناصر قليلة العدد ومتكررة ، منسقة تنسيقا متنوعا في عدد كبير من النظم ، متجاوزة ما لكل منها من خصوصية زمانية ومكانية .

أفلا يدل ذلك على أن القدرة على التجريب سواء أكانت قبلية أم بعدية إنما تقوم أساسا على الطريقة التي نعتمدها لنعرّف أو لنعزل ما سنصطلح عليه بكونه واقعة علمية ؟ ولو أن العلوم الفيزيائيّة كانت تحدد وقائعها العلميّة على هذا النحو من النزوة وعدم الاكتراث اللذين يتجليان في أغلب العلوم الإنسانيّة، لكانت هي أيضا سجينة حاضر لن يتكرر أبدا.

 

 

كلود ليفي ستروس

" الانتروبولوجيا البنيويُة "

Partager cet article

Repost 0

commentaires