Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
9 février 2010 2 09 /02 /février /2010 20:01

ويبدو لي أن الدولة جماعة من الناس تكونت لغرض وحيد هو المحافظة على خيراتهم المدنية وتنميتها . وأنا أقصد ب" الخيرات المدنية " الحياة والحرية وسلامة البدن وحمايته ضد الألم وامتلاك الأموال الخارجية مثل : الأرض والنقود والمنقولات ، الخ .

وواجب على الحاكم المدني أن يؤمن للشعب كله ، ولكل فرد على حدة - بواسطة قوانين مفروضة بالتساوي على الجميع - المحافظة الجيدة والامتلاك لكل الأشياء التي تخص هذه الحياة وإذا أراد أحد انتهاك هذه القوانين على الرغم مما هو مسموح به وشرعي ، فان تجرؤه ينبغي أن يقمع بواسطة الخوف من العقاب ، والعقاب هو حرمانه من كل أو بعض هذه الخيرات التي كان من حقه بل من واجبه أن يتمتع بها لو لم يفعل ذلك . لكن لأن أحدا لا يرضى بإرادته عن حرمانه من جزء من خيراته ، ولا بالأحرى من حريته أو حياته ، فان الحاكم ، من أجل معاقبة من ينتهكون حق الغير، مسلح بقوة مصنوعة من القوة المجتمعة لكل الأفراد.

و يبدو لي أن كل ما سنسوقه فيما يلي يبرهن على أن كل اختصاص الحاكم يقتصر فقط على هذه الخيرات المدنية، وأن حقوق وسلطة السلطة المدنية تنحصر في المحافظة على تلك الخيرات وتنميتها خصوصا دون غيرها، ولا ينبغي أو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى نجاة النفوس .

أوّلا : لأنه لا الحاكم المدني ، ولا أي إنسان آخر، مكلف برعاية النفوس . فالله لم يكلفه بذلك ، لأنه لا يتضح أبدا أن الله قد منح مثل هذه السلطة لأحد على آخر بحيث يرغم الآخرين على اعتناق دينه . كذلك لا يمكن أن يكون الناس قد أعطوا الحاكم هذه السلطة، لأنه لا إنسان قد تخلى عن رعاية نجاته الأبدية الخاصة به بحيث يعتنق بالإكراه عبادة أو إيمانا يفرضه إنسان آخر، سواء أكان هذا أميرا أم فردا. إذ لا يمكن لأحد، حتى لو أراد، أن يؤمن بما يمليه عليه غيره . إن الإيمان هو الذي يعطي القوة و التأثير الفعال للدين الحق الذي يجلب النجاة ؛ لأنه مهما يكن ما تقره ، ومهما تكن العبادة الظاهرية التي تمتثل لها، فانك إن لم تكن مقتنعا تمامّا في باطن قلبك بأن هذا حق ويرضي الله ، فان هذا يكون عقبة أمام النجاة، وليس مفيدا في تحملها. إذ أنك ، بهذه الطريقة، بدلاّ من التكفير عن خطاياك الأخرى بممارسة الدين ، تقدم إلى الله القدير عبادة أنت تؤمن بأنها لا ترضيه ، وبهذا أنت تضيف إلى عدد خطاياك خطيئتي النفاق وازدراء ذات الجلالة.


ثانيا : إن رعاية النفوس لا يمكن أن تكون من اختصاص الحاكم المدني ، لأن كل سلطة تقوم على الإكراه . أما الدين الحق المنجي فيقوم على الإيمان الباطن في النفس ، الذي بدونه لا قيمة لشيء عند الله ، وإن من طبيعة العقل الإنساني أنه لا يمكن إكراهه بواسطة أية قوة خارجية. صادر إن شئت أموال إنسان ، واسجن بدنه أو عذبه ، فإن أمثال هذه العقوبات لن تجدي فتيلا ، إذا كنت ترجو من وراء ذلك أن تحمله على أن يغير حكم عقله على الأشياء.

لكنك قد تقول : إن الحاكم قد يلجأ إلى الحجج ، وبهذا يجر الهراطقة إلى الحق ، ويحقق نجاتهم . ليكن . لكن هذا أمر يشترك فيه الحاكم مع سائر الناس . فبالتعليم ، و التنشيء وتصحيح الخطإ بواسطة الحجج يفعل الحاكم ما ينبغي على كل إنسان صالح أن يفعله ؛ و الحاكم ليس ملزما بأن يتخلى عن إنسانيته أو مسيحيته . لكن شيء أن تقنع ، وشيء آخر أن تأمر ؛ شيء أن تلزم بالحجج ، وشيء آخر أن تلزم بالأوامر . والأخير من شأن السلطة المدنية، أما الأول فيمكن أن تفعله الإرادة الحسنة. إن من حق كل إنسان أن ينبه ، وينصح ، وأن يكشف الأخطاء وأن يقنع الآخرين بأفكاره بواسطة الحجج ، لكن من اختصاص الحاكم أن يصدر الأوامر وأن يكره بالسيف . هذا هو ما أردت أن أقوله : إن السلطة المدنية لا ينبغي لها أن تفرض عقائد الإيمان بواسطة القانون المدني ، سواء أتعلق الأمر بالعقائد أو بأشكال عبادة الله . إن قوة القوانين تضيع ، إذا لم تقرن بأية عقوبة، وإذا تقررت عقوبات ، فإنها لا جدوى منها، ونادرا ما تؤدي إلى الإقناع . فان أراد أحد، لخلاص نفسه ، أن يعتنق عقيدة أو أن يمارس عبادة فيجب أن يؤمن في صميم نفسه أن هذه العقيدة حق ، وأن هذه العبادة مقبولة عند الله وسيرضى عنها، ولن تستطيع أية عقوبة أن تبث في النفوس اقتناعا من ذلك النوع . ولتغيير شعور في النفس لا بد من نور ليس في مستطاع عقاب البدن أن يوجده .

ثالثا : رعاية نجاة النفوس لا يمكن أن تكون من اختصاص الحاكم المدني ، لأنه حتى لو أقررنا أن سلطة القوانين وقوة العقوبات قادرة على تحقيق تحويل النفوس ، فإنها لا تفيد شيئا في نجاة النفوس . فما دام الدين الحق واحدا، وما دام الطريق المؤدي إلى منازل السعداء طريقا واحدا فأي أمل هناك في أن يبلغها عدد أكبر من الناس ، حتى لو وضعنا الفانين في حالة ينبغي فيها على كل واحد أن ينبذ جانبا قرارات عقله وضميره وأن يعتنق اعتناقا أعمى عقائد أميره وأن يعبد الله وفقا لقوانين وطنه ؟ إن الآراء الدينية التي يعتنقها الأمراء هي من التعدد والاختلاف بحيث إنه لا بد أن يكون الطريق والباب المؤديان إلى الجنة ضيقين ، وليسا مفتوحين إلا لعدد قليل جدا ومن سكان إقليم واحد ؛ وأن تكون السعادة الأبدية أو العقاب الأبدي راجعين إلى صدفة الميلاد، وهذا أمر غير معقول مطلقا ولا يليق بالله أبدا.


تلك الأسباب وحدها، بالإضافة إلى أسباب عديدة أخرى يمكن إيرادها في هذا الباب ، تبدو لي كافية كي أستنتج أن كل سلطة الدولة لا تتعلق إلا بالخيرات المدنية، وأنها مقصورة على رعاية شؤون هذه الدنيا، وأنه لا يحق لها أن تمس أي شيء يتعلق بالحياة الآخرة .

 

 

جون لوك

" رسالة في التسامح "

Partager cet article

Repost 0

commentaires